محمد بن جرير الطبري

60

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

من الحصر الذي هو الحبس . وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة ، وقد تسمي العرب الملك حصيرا بمعنى أنه محصور : أي محجوب عن الناس ، كما قال لبيد : ومقامة غلب الرقاب كأنهم * جن لدى باب الحصير قيام ( 1 ) يعني بالحصير : الملك ، ويقال للبخيل : حصور وحصر : لمنعه ما لديه من المال عن أهل الحاجة ، وحبسه إياه عن النفقة ، كما قال الأخطل : وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور ولا فيها بسوار ( 2 ) ويروى : بسآر . ومنه الحصر في المنطق لامتناع ذلك عليه ، واحتباسه إذا أراده . ومنه أيضا الحصور عن النساء عن الخروج ، وأصل ذلك كله واحد وإن اختلفت ألفاظه . فأما الحصيران : فالجنبان ، كما قال الطرماح : قليلا تتلى حاجة ثم عوليت * على كل مفروش الحصيرين بادن ( 3 ) يعني بالحصيرين : الجنبين . والصواب من القول في ذلك عندي أي يقال : معنى ذلك : ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) فراشا ومهادا لا يزايله ، من الحصير الذي بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس ، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئا بمعنى حبس شئ ، فإنما تقول : هو له حاصر أو محصر ، فأما الحصير فغير موجود في كلامهم ، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به ، فيكون في لفظ فعيل ، ومعناه مفعول به ، ألا ترى بيت لبد : لدى باب الحصير ؟ فقال : لدى باب الحصير ، لأنه أراد : لدى باب المحصور ، فصرف مفعول إلى فعيل . فأما فعيل في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر . فذلك ما لا نجده في كلام العرب ، فلذلك قلت : قول